باب المندب من الشرفة: كيف نبني تجارة بحرية مستدامة وسط الحرب؟
كاتبة : سعيدة الشيبه
13 سبتمبر 2026م
منتدى الواحة الثالث OASIS لموانئ ذكية والتجارة البحرية المستدامة
وجهة نظر في القيادة التكيفية ومستقبل الممرات المائية

خلال أسبوع واحد، عاد باب المندب إلى واجهة الأزمة الإقليمية والدولية بصورة أكثر حدة. التطورات العسكرية على الساحل الغربي اليمني، وما رافقها من تغيرات في محيط المخا والجزر والممرات القريبة من باب المندب، أعادت طرح سؤال لا يخص اليمن وحده: ماذا يحدث للتجارة البحرية العالمية عندما يتحول أحد أهم الممرات المائية في العالم إلى ساحة صراع؟

لكنني أرى أن السؤال يجب ألا يتوقف عند: من يسيطر على باب المندب؟

السؤال الأعمق هو: كيف نحافظ على قدرة الممر البحري والموانئ والمجتمعات الساحلية على الصمود عندما تصبح الحرب جزءاً من البيئة التي تعمل فيها التجارة؟

هنا أستحضر مفهوم «الشرفة» في القيادة التكيفية.

في لحظة الحرب، من السهل أن نبقى على الأرض، وسط تفاصيل الحدث: تقدم عسكري، تغير السيطرة على موقع استراتيجي، سفن تعيد حساب مساراتها، وأسواق تراقب أسعار النفط والنقل والتأمين.

لكن القائد التكيفي يحتاج أحياناً إلى أن يصعد إلى «الشرفة».

من الشرفة لا نرى المعركة فقط، بل نرى النظام بأكمله.

نرى أن باب المندب ليس مجرد مضيق جغرافي، وإنما عقدة بحرية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأن اضطرابه لا يؤثر في السفن وحدها، بل يمكن أن ينعكس على الطاقة، والتأمين والنقل، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والأمن الغذائي، والمساعدات الإنسانية، والاقتصادات الساحلية.

ومن الشرفة نرى شيئاً آخر: أن الحرب لا تقع فوق فراغ.

هناك مجتمعات ساحلية تعيش حول هذه الممرات، وموانئ تحتاج إلى العمل، وصيادون يعتمدون على البحر، ونساء وشباب يحتاجون إلى مصادر دخل، وبيئة بحرية يمكن أن تدفع ثمن أي تصعيد أو تسرب أو تلوث.

وهنا تصبح الاستدامة جزءاً من الاستجابة للأزمة، وليست قضية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب.

من وجهة نظري، الخطأ هو أن نتعامل مع التجارة البحرية والاستدامة باعتبارهما ملفين منفصلين عن الأمن.

في الواقع، كلما ازدادت هشاشة البيئة والموانئ وسلاسل الإمداد، ازدادت تكلفة الأزمة.

لذلك، لا يكفي أن يكون ردنا هو تأمين السفن أو تغيير مساراتها مؤقتاً. قد تكون هذه الإجراءات ضرورية في لحظة الخطر، لكنها لا تبني بالضرورة نظاماً قادراً على التكيف مع أزمات متكررة.

القيادة التكيفية تدفعنا إلى سؤال مختلف:

كيف نجعل منظومة الموانئ والتجارة البحرية أكثر قدرة على التعلم والتكيف؟

وهنا تأتي فكرة «الممر الأزرق المستدام».

لا أقصد بالممر الأزرق مجرد طريق آمن للسفن، بل منظومة بحرية مرنة تجمع بين السلامة البحرية، وحماية البيئة، والبيانات، والتكنولوجيا، والمجتمع.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن ننظر إلى ميناء عدن باعتباره نقطة منفردة، بل باعتباره جزءاً من شبكة بحرية يمنية أوسع. وهنا تبرز أهمية إعادة تأهيل ميناء شُقرة كميناء تكميلي لميناء عدن، وضمن شبكة تمتد نحو الموانئ الشرقية.

ففي ظروف الحرب واضطراب الممرات المائية، يصبح الاعتماد على عقدة بحرية واحدة نقطة ضعف في سلسلة الإمداد. أما وجود شبكة من الموانئ القادرة على التكامل، فيمنح التجارة خيارات أكثر قدرة على التكيف مع تغير الظروف وامتصاص الصدمات.

عندما نصعد إلى «الشرفة» وننظر إلى الخريطة البحرية لليمن، لا نرى عدن منفردة، بل نرى منظومة ساحلية تمتد من باب المندب وخليج عدن باتجاه شُقرة وشبوة وحضرموت والمهرة، وتتصل بالموانئ والممرات البحرية في بحر العرب.

وهنا يتغير السؤال.

لم يعد السؤال فقط: كيف نطور ميناء شُقرة؟

بل: كيف نجعل شُقرة جزءاً من منظومة موانئ يمنية متكاملة وقادرة على الصمود أمام الأزمات؟

إعادة تأهيل شُقرة، في هذه الرؤية، لا تعني إنشاء ميناء ينافس عدن، وإنما بناء وظيفة تكاملية داخل شبكة الموانئ. يحتفظ ميناء عدن بدوره كميناء رئيسي ومركز تجاري ولوجستي، بينما يمكن لشُقرة، وفقاً لدراسات الجدوى والهندسة المينائية، أن يؤدي أدواراً مكملة في الخدمات الساحلية وبعض أنواع الشحن ودعم سلاسل الإمداد المحلية وربط اقتصاد أبين بالمجال البحري، مع إمكانية التكامل مستقبلاً مع الموانئ الشرقية.

وهذا التوزيع لا يعني تقسيم التجارة بين الموانئ بقدر ما يعني توزيع المخاطر.

فإذا تعرض أحد الموانئ لاضطراب أمني أو بيئي أو لوجستي، تستطيع بقية الشبكة امتصاص جزء من الصدمة.

وهذه هي المرونة التي تحتاج إليها التجارة اليمنية في زمن الحرب.

لكن إعادة التأهيل يجب ألا تكون مجرد إعادة بناء للأرصفة والمرافق. ينبغي أن تكون فرصة لبناء ميناء تكيفي ومستدام منذ البداية.

تبدأ العملية بتقييم البنية الأساسية، والدراسات الهيدروغرافية، وتقييم الأعماق والممرات الملاحية، ودراسة الأثر البيئي، وتحليل المخاطر الأمنية والمناخية واللوجستية.

ثم يأتي التحول الرقمي: أنظمة تتبع السفن، والبيانات البحرية، والاستشعار عن بُعد، والمراقبة البيئية، وأنظمة الإنذار المبكر.

وبذلك لا يكون شُقرة مجرد ميناء مُعاد تأهيله، بل عقدة قادرة على مشاركة البيانات والتنسيق مع عدن والموانئ الشرقية.

ويمكن للأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد أن تساعد في مراقبة السواحل والتلوث والتغيرات البيئية، بينما توفر أجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة بيانات محلية، ويساعد الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط والمخاطر.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

القيادة التكيفية تعني أيضاً توزيع القدرة على الاستجابة.

فالمجتمع الساحلي ليس متلقياً للحلول فقط، بل شريك في فهم المخاطر. والجامعة ليست مؤسسة تعليمية فقط، بل يمكن أن تصبح مركزاً للبحث والابتكار. والشباب والنساء ليسوا مجرد مستفيدين من مشاريع التنمية، بل يمكن أن يكونوا جزءاً من الرصد المجتمعي، وجمع البيانات، والتوعية البيئية، وبناء المبادرات المحلية.

ومن هنا تصبح إعادة تأهيل شُقرة فرصة لربط البنية التحتية بالتنمية المحلية.

يمكن أن تشمل الرؤية مراقبة جودة مياه البحر، وإدارة النفايات والزيوت، وحماية الموائل الساحلية، ومراقبة التلوث الناتج عن السفن، واستخدام الطاقة المتجددة في بعض الخدمات المينائية متى أثبتت الدراسات الفنية جدواها.

وبذلك يصبح «الممر الأزرق المستدام» شبكة وليست خطاً واحداً:

عدن كميناء رئيسي،
وشُقرة كميناء تكميلي،
والموانئ الشرقية كامتداد للشبكة،
ونظام رقمي وبيئي مشترك يربط بينها.

هذه الرؤية تصبح أكثر أهمية في زمن الحرب، لأن الاستدامة لا تعني فقط خفض الانبعاثات أو حماية البحر؛ بل تعني أيضاً قدرة النظام التجاري على الاستمرار عندما يتعرض جزء منه للصدمة.

وهنا نعود مرة أخرى إلى «الشرفة».

بعد أن نرى الصورة الكبيرة، يجب أن ننزل إلى الأرض.

نختبر حلاً صغيراً في ميناء واحد.

نراقب النتائج.

نستمع إلى العاملين والصيادين والمجتمع.

نكتشف ما لم يعمل.

نعدل النموذج.

ثم نصعد مرة أخرى إلى الشرفة لنرى الصورة الجديدة.

الشرفة للرؤية.
والأرض للتجربة.
والتعلم هو الجسر بينهما.

هذه، في رأيي، هي الحركة التي تجعل القيادة التكيفية مختلفة عن الإدارة التقليدية للأزمات.

فالإدارة التقليدية قد تبحث عن خطة ثابتة، بينما القيادة التكيفية تبني قدرة على تعديل الخطة عندما تتغير الظروف.

والحرب الحالية حول الممرات المائية تضعنا أمام اختبار حقيقي لهذه الفكرة.

إذا أصبح باب المندب أكثر اضطراباً، فإن بناء المرونة لا يمكن أن ينتظر نهاية الحرب. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول فكرة الاستدامة إلى ذريعة لتجاهل المخاطر الأمنية والإنسانية القائمة.

نحن بحاجة إلى التفكير في الاثنين معاً:

حماية الإنسان.
حماية التجارة.
حماية البيئة.
وبناء قدرة الموانئ على الاستمرار في ظروف عدم اليقين.

ومن هنا، فإن رؤيتي للممر الأزرق المستدام ليست أن نستبدل الأمن بالاستدامة، ولا أن نستبدل التجارة بالبيئة، وإنما أن نربطها ضمن منظومة واحدة.

فالميناء المستدام هو الميناء الذي يستطيع أن يعمل عندما تكون الظروف مستقرة، وأن يتكيف عندما تتغير، وأن يتعلم عندما يفشل، وأن يحمي البيئة والمجتمع أثناء ذلك.

وفي رأيي، هذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن نتعلمه من أزمة باب المندب الحالية.

لا يمكننا اختيار الظروف التي نعمل فيها، لكن يمكننا اختيار مقدار استعدادنا للتكيف معها.

قد لا نستطيع اليوم إنهاء الصراع على الممرات المائية بقرار واحد، لكن يمكننا البدء في بناء مؤسسات وموانئ ومجتمعات أكثر قدرة على الصمود أمام الصراع والمناخ والتلوث والاضطرابات الاقتصادية.

ولذلك، عندما أنظر إلى باب المندب من «الشرفة»، لا أراه فقط كمضيق يمر فيه العالم.

أراه كنقطة اختبار لقيادتنا وقدرتنا على التفكير خارج لحظة الحرب.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط:

من يسيطر على الممر؟

بل:

كيف نضمن أن يبقى الممر، والميناء، والبحر، والمجتمع، والتجارة قادرين على الاستمرار حتى عندما تتغير موازين الصراع؟

ربما لا نستطيع التحكم في كل ما يحدث في باب المندب، لكن يمكننا أن نقرر كيف نبني قدرتنا على الاستجابة له.

ومن هنا يبدأ الممر الأزرق المستدام:

ليس مجرد طريق لحركة السفن، بل شبكة موانئ يمنية مرنة، متكاملة، ذكية ومستدامة، قادرة على التكيف مع الصراع، وحماية البيئة، ودعم الاقتصاد، وخلق فرص جديدة للمجتمعات الساحلية.

وهنا تبدأ القيادة التكيفية.

 

Discussion (0)

Be the first to comment!

Please log in to post a comment or reply.