الاقتصاد الأزرق في الساحل الغربي لليمن - كنوز مخفية وفرص واعدة

الاقتصاد الأزرق في الساحل الغربي لليمن - كنوز مخفية وفرص واعدة



المقدمة 


يمثل الساحل الغربي لليمن الممتد على البحر الأحمر وصولاً إلى باب المندب، حلقة وصل استراتيجية بين ثروات بحرية غنية ومجتمعات محلية  تواجه تحديات بنيوية مركبة. وعلى الرغم من التباين الجغرافي والاقتصادي بين مديريات الساحل كـ "الخوخه" وحيس، التحيتا ،المخاء ،ذباب المندب، موزع ،الوازعية ، إلا أن هذه المناطق  تتقاطع في امتلاك  فرص استثنائية لتحويل الهشاشة القائمة إلى نماذج مبتكرة للريادة الزرقاء والخضراء المستدامة.


ولا تقتصر هذه الرؤية على الشريط الساحلي الغربي فحسب بل تمتد لتشمل الخارطة اليمنية بأكملها، حيث تقوم المنظومة الهيدرولوجية للجمهورية اليمنية على تدفق الأودية من المرتفعات لتصب في البحر. ويخلق هذا الترابط العضوي أساساً  اقتصادياً مشتركاً يجعل من الاستثمار في مناطق المصب فرصة لبناء اقتصاد دائري يربط بين موارد الجبل والسهل والبحر.


ففي الوقت الذي تعتمد فيه  المجتمعات الساحلية على الصيد كمصدر أساسي للعيش، تعتمد المجتمعات الواقعة في الأودية السهلية على الزراعة ،كما هو الحال في وادي موزع و وادي الهاملي ورسيان في المخاء في محافظة تعز وهو ما يجعلها مستهلكاً للأسمدة الكيميائية بكميات كبيرة.


هذا التداخل بين الموارد البحرية والزراعية يفتح آفاقاً حقيقية للابتكار البيئي وريادة الأعمال الزرقاء مثل تحويل مخلفات الأسماك إلى أسمدة عضوية ودمجها مع مخلفات النباتات مثل شجر السيسبان المعروف بتسببه في مشكلات بيئية متعددة  وذلك بهدف تعزيز الإنتاج الزراعي المستدام وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية الضارة.


إن الاقتصاد الأزرق في هذا السياق لا ينظر إليه كفكرة بيئية، بل فرصة إستراتيجية لبناء  سلاسل قيمة جديدة تجمع بين الصيد والزراعة والتقنيات المستدامة بما يسهم في  تحسين وتعزيز صمود المجتمعات الساحلية ويدعم الأمن الغذائي ويخلق فرص عمل مستدامة.


الرؤية: ما وراء الجغرافيا


اعتادت المقاربات التنموية التقليدية على الفصل بين مجتمعات الصيد الساحلية والمجتمعات الزراعية في الأودية إلا أن  قراءة  دقيقة للخارطة الهيدرولوجية لليمن تكشف هشاشة هذا الفصل فالمياه تتدفق من المرتفعات عبر أودية خصبة (مثل وادي موزع، ووادي الهاملي ورسيان في المخاء ووادي زبيد و وادي نخلة في الحديدة لتصب في البحر مما يؤسس لما يمكن تسميته بـ وحدة المصير الاقتصادي.



إن الفرصة الحقيقية اليوم لا تكمن في دعم كل قطاع بمعزل عن الآخر بل في تبني  الريادة الزرقاء التي تعيد هندسة العلاقة بين البحر والسهل وفق مبادئ الاقتصاد الدائري…ويبرز هنا  تكامل قادر على معالجة أكثر من إشكالية في آن واحد؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه شواطئ المديريات الساحلية من تراكم مخلفات الأسماك بوصفها عبئاً بيئياً وهدرًا لمورد قيم ، تعاني الأودية السهلية في المديريات المجاورة من الانتشار الواسع  لشجر السيسبان وتدهور التربة نتيجة الإفراط في استخدام الأسمدة الكيميائية المكلفة.


ومن هذا الواقع تبرز فرصة ريادية واعدة في تأسيس صناعات تحويلية لإنتاج الأسمدة السائلة والصلبة من مخلفات الأسماك وشجر السيسبان ، إلى جانب إنتاج أعلاف مركبة من خلال دمج مسحوق الأسماك سواء الناتج من مخلفات العظام أو الأنواع السمكية الموسمية المهدرة مع المخلفات الزراعية وثمار السيسبان (القرميط) لإنتاج أعلاف حيوانية عالية الجودة.


الفرص المشتركة القائمة على مفهوم الاقتصاد الدائري الأزرق والأخضر

تحويل هذا العبء إلى ذهب أزرق:

1- ثورة الأسمدة العضوية: مخلفات الأسماك+أشجارالسيسبان

تمثل هذه الفرصة ابتكاراً استراتيجيًا يعالج واحدة من أكثر المشكلات تعقيدا في المنطقة وذلك للأسباب التالية:


أولاً- تكامل العناصر الغذائية (النيتروجين والكربون)

مخلفات الأسماك غنية  بالنّيتروجين والفسفور والمعادن لكنها سريعة  التحلل وتسبب روائح كريهة.

شجرة السيسبان المتوفرة بكثرة تحتوي أوراقه وأغصانه الصغيرة على  الكربون والمواد العضوية إضافة إلى نسبة جيدة من النيتروجين لأنها من البقوليات

عند دمج المكونين  ،يعمل الكربون الموجود في السيسبان على موازنة النيتروجين في مخلفات الأسماك مما يسرع عملية التحلل ويقلل الروائح وينتج سماداً متكاملاً(NBK).


ثانياً:تحويل العدو البيئي إلى حليف اقتصادي

يعد شجرة السيسبان في الساحل الغربي (الخوخه،موزع،الوازعية،حيس) شجرة غازية تثقل كاهل  المزارعين وتستهلك المياه.

وتكمن الفرصة في تحويل هذه الشجرة من عبء بيئي إلى مادة أولية تستخدم كمحفز ومكون في إنتاج الأسمدة سواء عبر فرم أغصانها وخلطها مع بقايا الأسماك لإنتاج سماد عضوي  أو كمبوست عالي الجودة يرفع من خصوبة التربة 


ثالثاً: الميزة التنافسية في الساحل الغربي

المواد الخام متوفرة مجاناً؛ فالسيسبان تنتشر بكثافة ومخلفات الأسماك ترمى يومياً.

السوق الزراعي متعطش ؛حيث تحتاج مزارع المانجو في وادي زبيد ومزارع البصل في وادي موزع إلى كميات كبيرة من الأسمدة.


2- الأعلاف والأمن الغذائي: الابتكار في الموارد المحلية

بالنظر الى الثروة الحيوانية التي تشتهر بها المنطقة ،تبرز  فرصة لإنتاج أعلاف مركبة من خلال دمج مسحوق الأسماك كمصدر بروتين أزرق مع بقايا المحاصيل الزراعية التي تمثل الكتلة الحيوية الخضراء. ويسهم ذلك في إنتاج أعلاف عالية القيمة تقلل الاعتماد على الأعلاف المستوردة،وتدعم مربي الماشية،وهو ما يعكس جوهر الابتكار القائم على استثمار الموارد المحلية لسد فجوات الاحتياج.

الخاتمة:

إن الاستثمار في صمود المجتمعات الساحلية ولاسيما الساحل الغربي لليمن  لا ينبغي أن يقتصر على الحلول الإسعافية أو المساعدات المؤقتة فقط بل يجب أن يتجه نحو بناء أنظمة مستدامة طويلة الأمد. ويعد  تحويل هذا التداخل بين الموارد البحرية والزراعية في مديريات المصب والساحل إلى مبادرات ريادية المسار الأمثل لتحويل الهشاشة إلى منعة.

 فمجتمعات هذه المديريات تمتلك مقومات لتكون مختبراً ابتكاريًا للاقتصاد الأزرق والأخضر حيث يخدم البحر اليابسة وتحافظ اليابسة على   نقاء البحر…إنها دعوة للمستثمرين والمانحين للنظر إلى المجتمعات الساحلية ليس كلاً بوصفها مناطق احتياج ،بل كأرض خصبة وبحر كريم لفرص واعدة تنتظر من يكتشفها.

النقاش (0)

كن أول من يعلق!

يرجى تسجيل الدخول لنشر تعليق أو رد.