نحو إعادة تأطير الاقتصاد الأزرق
العادل في العقبة: مقاربة سياساتية لإعادة توزيع الفرص وتعزيز الحوكمة التشاركية
وتمكين الشباب
مقدمة: إعادة
تعريف الاقتصاد الأزرق ضمن سردية العدالة
لم يعد الاقتصاد الأزرق في السياق العالمي مجرد
إطار تقني لإدارة الموارد البحرية أو تعظيم العوائد الاقتصادية منها، بل تحوّل إلى
حقل سياساتي معقّد تتقاطع فيه اعتبارات البيئة، والعدالة الاجتماعية، وأنماط توزيع
السلطة. فمع تزايد الدعوات الدولية إلى تبنّي نماذج تنموية تفصل بين النمو
الاقتصادي والتدهور البيئي، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة الاقتصاد الأزرق ضمن
منظور أكثر شمولًا، يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط كفاءة استخدام الموارد، بل أيضًا
عدالة توزيع منافعها وإتاحة الوصول إليها.
تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون
الاقتصادي والتنمية إلى أن الاقتصاد المرتبط بالمحيطات يشهد نموًا متسارعًا، إلا
أن هذا النمو غالبًا ما يترافق مع اختلالات في توزيع العوائد، خصوصًا في الدول
النامية. ومن هنا، يبرز مفهوم “الاقتصاد الأزرق العادل” كاستجابة لهذه الاختلالات،
حيث لا يُنظر إلى الموارد البحرية باعتبارها مجرد مدخلات إنتاج، بل كأصول مشتركة
ينبغي إدارتها ضمن أطر تضمن الإنصاف والاستدامة.
في هذا السياق، تمثل العقبة حالة ذات دلالة خاصة،
إذ تجمع بين محدودية الموارد البحرية من جهة، وتركيز استثمارات استراتيجية كبرى من
جهة أخرى، ما يجعلها نموذجًا مكثفًا لفهم التوتر القائم بين النمو الاقتصادي
ومتطلبات العدالة الاجتماعية، لا سيما فيما يتعلق بإشراك الشباب في منظومات
الحوكمة وصنع القرار.
الملخص التنفيذي :
إن تحقيق اقتصاد أزرق عادل في العقبة لا يرتبط
بتوسيع الاستثمارات أو تطوير البنية التحتية فحسب، بل يتطلب تحولًا هيكليًا في
أنماط الحوكمة، وآليات توزيع الفرص، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فاستمرار
استبعاد الشباب من دوائر التأثير، وضعف تمكين النساء، واتساع الفجوة بين مخرجات
التعليم واحتياجات السوق، كلها عوامل تُفرغ هذا النموذج من مضمونه التحويلي.
وعليه، فإن اللحظة الراهنة لا تمثل فقط فرصة
للتوسع الاقتصادي، بل نافذة لإعادة توجيه المسار نحو نموذج تنموي أكثر عدالة
وشمولًا واستدامة، قائم على إشراك فعلي للفاعلين المحليين في صياغة مستقبلهم.
أولًا: مفارقة
النمو دون إدماج – قراءة في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية
على الرغم من أن الأردن يمتلك شريطًا ساحليًا
محدودًا، إلا أن العقبة تشكّل نقطة ارتكاز أساسية في بنيته الاقتصادية، حيث تتقاطع
فيها أنشطة السياحة، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية، والاستثمار الصناعي.
وتشير البيانات إلى أن قطاع السياحة يساهم بما يقارب 12–14% من الناتج المحلي
الإجمالي، فيما تُدار استثمارات ضخمة عبر سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة،
التي تضطلع بدور محوري في توجيه التنمية الاقتصادية في المنطقة.
غير أن هذا التوسع في الأنشطة الاقتصادية لا
ينعكس بصورة متكافئة على مؤشرات التشغيل، إذ تتجاوز معدلات البطالة بين الشباب 45%
وفق دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، وهو ما يكشف عن مفارقة تنموية عميقة تتمثل
في انفصال مسارات النمو الاقتصادي عن مسارات الإدماج الاجتماعي. فبينما تتنامى سلاسل القيمة المرتبطة
بالاقتصاد الأزرق، تبقى قدرة الشباب على النفاذ إليها محدودة، سواء بسبب نقص
المهارات المتخصصة أو بسبب غياب قنوات إدماج فعّالة ضمن هذه القطاعات.
ثانيًا: تعدد
الفاعلين وغياب التكامل – أزمة الحوكمة في الاقتصاد الأزرق
يتسم المشهد المؤسسي في العقبة بتعدد الجهات
الفاعلة، حيث تتوزع الأدوار بين المؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، ومنظمات
المجتمع المدني، إضافة إلى المبادرات الشبابية الناشئة. وتضم المنظومة الحكومية
جهات محورية مثل سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، ووزارة البيئة الأردنية،
ووزارة السياحة والآثار الأردنية، في حين يضطلع القطاع الخاص بدور رئيسي في تشغيل
الموانئ، وتطوير السياحة، والاستثمار في الطاقة.
إلا أن هذا التعدد، بدلًا من أن يشكّل مصدر قوة،
غالبًا ما يتحول إلى عامل إرباك نتيجة ضعف التنسيق المؤسسي وغياب الاتساق في
السياسات، الأمر الذي يؤدي إلى تشتت الجهود وتكرار المبادرات دون تحقيق أثر تراكمي
ملموس. وفي خضم هذا المشهد، يُلاحظ أن موقع الشباب يظل هامشيًا، حيث يتم إشراكهم
في أفضل الأحوال ضمن أدوار استشارية محدودة التأثير، دون أن يُمنحوا المساحة
الكافية للمشاركة في صياغة السياسات أو توجيه الأولويات التنموية.
ثالثًا: الفرص
الكامنة وحدود الوصول – فجوة المهارات في سلاسل القيمة الزرقاء
تتوافر في العقبة مجموعة من الفرص الواعدة ضمن
القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، تمتد من السياحة البحرية المستدامة، إلى
الخدمات اللوجستية، وصولًا إلى مشاريع الطاقة والمياه. إلا أن الاستفادة من هذه
الفرص تظل رهينة بقدرة القوى العاملة، وخاصة الشباب، على تلبية متطلبات هذه
القطاعات.
ففي مجال السياحة البحرية، على سبيل المثال،
تتطلب الأنشطة البيئية المتخصصة مهارات في إدارة النظم البيئية، وفهمًا للقيمة
الاقتصادية للخدمات البيئية، وقدرة على تقديم تجارب سياحية مستدامة. أما في قطاع
الموانئ والخدمات اللوجستية، فإن التحول نحو أنماط تشغيل أكثر كفاءة واستدامة
يستدعي كفاءات في إدارة سلاسل التوريد، واستخدام التقنيات الرقمية، وتحليل
البيانات. وفي قطاع الطاقة والمياه، تبرز الحاجة إلى مهارات هندسية وتقنية متقدمة
قادرة على التعامل مع التحديات المركبة المرتبطة بالاستدامة.
وعليه، فإن جوهر الإشكالية لا يكمن في ندرة
الفرص، بل في ضعف البنية المؤسسية والتعليمية القادرة على ردم فجوة المهارات،
وتهيئة الشباب للاندماج الفعلي في هذه القطاعات.
رابعًا: تمكين
النساء – ضرورة اقتصادية لا خيار اجتماعي
لا يمكن الحديث عن اقتصاد أزرق عادل دون التطرق
إلى موقع النساء ضمنه، حيث تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن تعزيز
مشاركة النساء في القطاعات الخضراء والزرقاء لا يسهم فقط في تحقيق العدالة
الاجتماعية، بل يعزز أيضًا الكفاءة الاقتصادية والاستدامة طويلة الأمد.
ومع ذلك، فإن واقع مشاركة النساء في العقبة لا
يزال محدودًا، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، تشمل القيود الاجتماعية، وضعف
الوصول إلى الموارد المالية، وغياب البرامج التدريبية الموجهة. وهذا يستدعي تبني
مقاربة تتجاوز الإدماج الشكلي، نحو إدماج تحويلي يعيد توزيع الفرص ويعالج
الاختلالات البنيوية التي تعيق مشاركة النساء.
خامسًا: من
التمثيل الشكلي إلى الشراكة الفعلية – إعادة تعريف دور الشباب
تعكس أنماط إشراك الشباب في منظومة الاقتصاد
الأزرق حالة من التمثيل الشكلي، حيث يتم التعامل معهم بوصفهم مستفيدين من
السياسات، لا شركاء في صياغتها. ويؤدي هذا النمط إلى إضعاف فاعلية السياسات ذاتها،
نظرًا لغياب الرؤية التي تعكس احتياجات وتطلعات الفئة الأكثر ارتباطًا بمستقبل هذه
التحولات.
إن الانتقال نحو نموذج أكثر عدالة يتطلب إعادة
تعريف موقع الشباب ضمن المنظومة، بحيث يصبحون فاعلين مشاركين في تحديد الأولويات،
وتصميم البرامج، ومراقبة التنفيذ، وهو ما يستدعي تطوير آليات مؤسسية تضمن مشاركتهم
الفعلية، وتعزز الثقة بينهم وبين المؤسسات الرسمية.
سادسًا: من
الخطاب إلى القياس – مؤشرات عملية للتحول
لا يكتمل أي إطار سياساتي دون آليات واضحة لقياس
التقدم، وعليه يمكن اقتراح مجموعة من المؤشرات المرحلية:
بحلول عام 2027، يتم إنشاء منصتين وطنيتين لإشراك
الشباب في الاقتصاد الأزرق، مع إدماجهم رسميًا في عدد من لجان السياسات البيئية
والاقتصادية.
وبحلول عام 2028، يتم تدريب ما لا يقل عن 1000
شاب وشابة، ودعم عشرات المشاريع الريادية المرتبطة بالاقتصاد الأزرق.
أما على المدى الأبعد، وبحلول عام 2030، فيُستهدف
رفع نسبة مشاركة النساء إلى 20%، وخفض معدلات البطالة بين الشباب في العقبة،
وتعزيز مساهمة القطاعات الزرقاء في الاقتصاد الوطني.
رؤية
استراتيجية: نحو اقتصاد أزرق عادل قائم على إعادة توزيع الفرص
ينبغي أن يُعاد تصور الاقتصاد الأزرق في العقبة
ليس بوصفه امتدادًا لنموذج تنموي قائم على تعظيم العوائد الاقتصادية فحسب، بل
كإطار تحولي يعيد تعريف العلاقة بين الموارد، والمجتمع، والدولة. فالرؤية المنشودة
لا تقتصر على زيادة مساهمة القطاعات البحرية في الناتج المحلي، بل تتجه نحو بناء
نموذج اقتصادي يقوم على عدالة الوصول إلى الفرص، وتكافؤ توزيع المنافع، وتعزيز
المشاركة المجتمعية في صنع القرار.
وتقوم هذه الرؤية على الانتقال من نموذج مركزي
تُحتكر فيه القرارات ضمن أطر مؤسسية ضيقة، إلى نموذج تشاركي متعدد المستويات،
يُمكّن الفاعلين المحليين—وخاصة الشباب والنساء—من لعب دور فاعل في تشكيل السياسات
وتوجيه مسارات التنمية. كما تتأسس على دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية ضمن صلب
التخطيط الاقتصادي، بما يضمن استدامة الموارد البحرية وحمايتها من الاستنزاف.
وفي هذا الإطار، يصبح الاقتصاد الأزرق أداة
لإعادة توزيع الفرص، لا مجرد آلية لإنتاجها؛ ومنصة لتعزيز العدالة الاجتماعية، لا
فقط لتحقيق النمو؛ ومسارًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، من خلال إشراك
حقيقي وشفاف في اتخاذ القرار.
توصيات
سياساتية: مسارات تنفيذية لإعادة تشكيل الحوكمة والفرص
إن ترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي تستدعي حزمة
من التدخلات المتكاملة، التي لا تُعالج الأعراض فقط، بل تستهدف الجذور البنيوية
للاختلالات القائمة.
أولًا، يتطلب الأمر إعادة هيكلة منظومة
الحوكمة بحيث تنتقل من نمطها المركزي إلى نموذج أكثر تشاركية وتعددًا في مراكز
القرار، من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على مشاركة الشباب، ليس عبر مبادرات مؤقتة
أو استشارية، بل من خلال دمجهم في لجان التخطيط وصياغة السياسات ضمن الجهات
المعنية مثل سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وبالتنسيق مع وزارة البيئة
الأردنية ووزارة السياحة والآثار الأردنية، بما يضمن حضورهم في مواقع التأثير لا
على هامشها.
ثانيًا، تبرز الحاجة إلى إصلاح منظومة التمويل
عبر تطوير أدوات تمويل موجهة نحو الاقتصاد الأزرق تراعي البعد الاجتماعي، وتُيسّر
وصول الشباب—وخاصة النساء—إلى الموارد المالية، سواء من خلال صناديق تمويل صغيرة،
أو شراكات مع القطاع الخاص، أو برامج دعم موجهة لريادة الأعمال في القطاعات
البحرية.
ثالثًا، يتطلب سد الفجوة بين الفرص والقدرات إعادة
مواءمة منظومة التعليم والتدريب مع احتياجات الاقتصاد الأزرق، من خلال تطوير
برامج تخصصية بالتعاون بين الجامعات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الحكومية، بحيث
تُركّز على المهارات التطبيقية المرتبطة بالسياحة المستدامة، والخدمات اللوجستية،
والتقنيات البيئية، بدلًا من الاقتصار على المخرجات النظرية.
رابعًا، لا يمكن تحقيق تحول عادل دون إدماج
فعلي للنساء، وهو ما يستدعي تبني سياسات تراعي النوع الاجتماعي في تصميم
البرامج الاقتصادية، وتوفير بيئات عمل داعمة، وتوسيع نطاق التدريب والتمويل الموجه
للنساء، بما يضمن انتقالهن من مواقع هامشية إلى أدوار قيادية ضمن سلاسل القيمة
الزرقاء.
خامسًا، يتطلب تعزيز فعالية السياسات تبني
إطار واضح للمتابعة والتقييم، قائم على مؤشرات قابلة للقياس، تُمكّن من تتبع
التقدم المحقق، مثل عدد الشباب المنخرطين في القطاعات الزرقاء، ونسبة مشاركة
النساء، وعدد المشاريع المدعومة، ومدى إدماج الشباب في عمليات صنع القرار، بحيث لا
تبقى السياسات في إطار الخطاب، بل تتحول إلى نتائج ملموسة.
خاتمة: إعادة
توزيع الفرص كمدخل للتحول العادل
إن التحدي الذي تواجهه العقبة لا يتعلق بندرة
الموارد، بل بكيفية إدارتها، وتوزيع منافعها، وتحديد من يملك حق الوصول إليها.
فالاقتصاد الأزرق، إذا ما أُعيد تأطيره ضمن منظور العدالة، يمكن أن يشكّل فرصة
لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر إنصافًا واستدامة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تحقيق تحول حقيقي دون
إعادة تموضع الشباب—وخاصة النساء—من هامش العملية التنموية إلى مركزها، بوصفهم
شركاء فاعلين في إعادة تشكيل سلاسل القيمة، وصياغة السياسات، وبناء مستقبل أكثر
عدالة وشمولًا.
تم الاستعانة من المصادر التالية للإحصاءات و
المعلومات :
- البنك
الدولي
- منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية
- برنامج
الأمم المتحدة للبيئة
- هيئة الأمم
المتحدة للمرأة
- دائرة
الإحصاءات العامة الأردنية
- سلطة منطقة
العقبة الاقتصادية الخاصة
كن أول من يعلق!