المجتمعات الساحلية في اليمن في ضل غياب آليات الحماية
ظاهرة اختفاء الصيادين في اليمن
الخميس، الرابعة فجراً، يغادر احمد وخمسة من أصدقائه الصيادين منزلهم في مديرية البريقة محافظة عدن باتجاه البحر كما اعتادوا دائماً ليلحقوا اليوم من اوله ويصطادوا ما كتب الله لهم اصطياده من اسماك. يذهبوا مع طلوع الفجر ويعودون مع المساء، هذا ما اعتاد عليه الصيادين في عدن وعوائلهم، لكن في هذا اليوم تأخروا بالعودة، انتظرت عائلاتهم كثيراً، دقت الساعة التاسعة لكنهم لم يعودوا بعد، خرجت اسرهم للبحث عنهم، اتجه زملائهم الصيادين الى البحر للبحث عنهم، لكن لم يجدوهم، ستة صيادين اختفوا في عرض البحر ولم يعودوا حتى يومنا هذا، ومازالت عائلاتهم تنتظر ان تسمع خبراً عنهم.
استمر الصيادين في البحث اياماً واسابيع دون جدوى مستخدمين ما أتيح لهم من إمكانيات بسيطة، قال الصيادين ان البحر كان مضطرباً يومها والرياح كانت شديدة ومعظم الظن ان احمد وأصدقائه غرقوا وسط هذه الأجواء العاصفة. تقول ليلى وهي اخت أحد الصيادين ": “هم متعودين يخرجوا يصطادوا… مش أول مرة. يطلعوا الفجر ويرجعوا في وقت متأخر من الليل.. لكن هالمرة ما رجعوا… ولا لقينا لهم أثر.
معاناة الاسر لم تتوقف عند فقدان أبنائها ومعيليها في عرض البحر دون ان يعرفوا شيئاً عن مصيرهم ومكانهم إن كانوا أحياء، أو يتاح لهم رويتهم للمرة الأخيرة وتكريمهم بالدفن ان كانوا قد استشهدوا بالغرق، فالله وحده من يعلم ماذا حل بهم، والله وحده من يعلم ماذا تمر به امهاتهم وزوجاتهم اللواتي يعشن الفقد والكمد. استمرت الاسر بالبحث عن مصير أبنائها، واثناء بحثها كانت تصلهم معلومات كثيرة ومتضاربة عن مصيرهم، البعض يعيد لهم الأمل ويخبرهم أنهم مازالوا أحياء يرزقون ويطلب من أسرهم أموال لكي يساعدوهم في العثور عليهم، لكن هذا الأمل يختفي بمجرد حصول الشخص على المال ، ليأتي شخص آخر يعد الأسر بنفس الشيء ويأخذ منهم بعض الأموال على أمل البحث وإيجاد أحبائهم، لتترك الأسر من دون أبنائها وبدون مال ولا أمل.
هذه القصة ليست مجرد حادثة نادرة وفردية، بل هي مأساة متكررة يعيشها الصيادين بشكل مستمر على إمتداد الشريط الساحلي في اليمن، في ضل هشاشة المؤسسات المعنية وغياب الدعم والرعاية لواحدة من أهم الفئات في المجتمع التي تشكل عصب الاقتصاد لكنها ايضاً الأشد ضعفا والأكثر تهميشاً.
ظاهرة إختفاء الصيادين في عرض المحيطات هي ظاهرة متكررة في اليمن منذ عشرات السنوات وعلى الرغم من فداحتها وخطورتها إلا أنها لم تعالج بعد ومازالت الأسر في المجتمعات الساحلية تعيش ألم الفقد من وقت لآخر. لا يتعلق الموضوع فقط باختفاء عدد من الاشخاص بل هي مشكلة تمس هيكل الإمداد السمكي في اليمن بشكل كامل والمتمثل بضعف الحماية والرعاية للصياد ، الحلقة الأولى في سلسلة إمداد طويلة وهامة تمتد من البحر إلى الأسواق الدولية. أصبحت مهنة الصيد مغامرة خطيرة يقدم عليها الصيادين الذين يذهبون كل صباح دون أن يكونوا متأكدين إنهم سيعودون سالمين، لكنهم يذهبون على أية حال تحت وطأة العوز والفقر الذي لم يترك لهم خياراً آخر.
اختفاء الصيادين أصبحت ظاهرة ممتدة على إمتداد السواحل اليمنية التي تصل إلى 2500 كيلو متر علي شطي البحر الأحمر والبحر العربي، رُصدت حوادث اختفاء مماثلة في الحديدة والمخاء والمكلا وكذا سواحل أبين والمهرة ما يعكس خطر متزايد وحالة إخفاق كبيرة لقوات خفر السواحل والجهات المعنية في توفير الحماية للصيادين في هذه المناطق. تروي السواحل اليمنية قصص فقد متكررة عن قوارب خرجت ولم تعد، وعن صيادين غدر بهم البحر وجرفتهم تياراته الى أماكن مجهولة، خاصة في خضم تغيرات مناخية وتقلبات موسمية مفاجئة تتجاوز حسابات واحتياطات الصيادين البسطاء.
تزايد تأثير التغيرات المناخية على المجتمعات الساحلية في اليمن بما في ذلك العواصف البحرية المفاجئة، اضطراب الرياح والتيارات البحرية، إرتفاع الأمواج بشكل غير متوقع وتغير مواسم الصيد. يواجه الصيادين كل ذلك بامكانيات محدودة للغاية وبدائية في معظم الأحيان ودون آليات إنذار مبكر أو وسائل ومعدات سلامة كافية.
الإهمال المؤسسي وصعوبة الوصول إلى الحماية
إلى جانب المخاطر الطبيعية، تواجه المجتمعات الساحلية إشكالية مزمنة تتعلق بضعف الحوكمة البحرية وغياب سياسات واضحة لحماية الصيادين. لا توجد منظومة متكاملة للإنذار المبكر موجهة خصيصًا لهم، ولا آلية واضحة لتعويض أسر المفقودين، ولا دعم نفسي أو إقتصادي مستدام.
تتحول الحادثة من خطر طبيعي إلى ظلم مركّب، حيث تتداخل هشاشة المناخ مع هشاشة السياسات، ويصبح الصياد عالقًا بين البحر والإهمال.
حين يختفي الصياد… يختل المجتمع
عندما يختفي الصياد، تفقد الأسرة معيلها الأساسي. تدخل في دائرة الفقر، ويتراجع الأمن الغذائي، وتضعف القدرة على التعليم والرعاية الصحية. ومع تكرار هذه الحوادث، تتآكل قدرة المجتمع الساحلي على الصمود اقتصاديًا واجتماعيًا.
صمود المجتمعات الساحلية لا يُقاس فقط بقدرتها على مواجهة العواصف، بل بقدرتها على حماية سبل عيشها الأساسية. وإذا كان الصيد هو العمود الفقري لهذه المجتمعات، فإن حماية الصياد تمثل الخطوة الأولى في بناء هذا الصمود.
نحو مقاربة قائمة على الصمود والعدالة
إن التعامل مع هذه القضية يتطلب رؤية متكاملة تشمل:
- توفير تحذيرات جوية دقيقة ومسبقة للصيادين
- تعزيز قدرات البحث والإنقاذ البحري
- تزويد الصيادين بمعدات السلامة وأجهزة الاتصال بأسعار مدعومة
- إنشاء آلية دعم وتعويض لأسر المفقودين
- إشراك المجتمعات الساحلية في تصميم السياسات المرتبطة بالبحر والصيد
كما أن ربط هذه الجهود بمفاهيم العدالة المناخية يفتح المجال أمام توجيه التمويل المناخي لدعم سبل العيش الساحلية بدل الاقتصار على التدخلات التقنية المحدودة.
خاتمة
حادثة الخيسة ليست مجرد قصة اختفاء في البحر، بل مؤشر على هشاشة بنيوية تمس سلاسل الإمداد السمكي وصمود المجتمعات الساحلية. إن أي نقاش حول الصمود أو العدالة المناخية سيظل ناقصًا ما لم يبدأ من حماية الصياد نفسه.
فحين يخرج الصياد ولا يعود، لا يفقد البحر رجلًا فقط… بل يفقد المجتمع جزءًا من قدرته على البقاء.
كن أول من يعلق!