تمتلك اليمن واحداً من أطول الأشرطة الساحلية في المنطقة، إذ يمتد ساحلها على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب لمسافة تُقدَّر بنحو 1,900 كيلومتر، ما يجعل المجتمعات الساحلية جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي والهوية الاجتماعية للبلاد. وعلى امتداد هذا الساحل، تعتمد آلاف الأسر بشكل مباشر أو غير مباشر على الصيد و سلسلة الإمداد الخاصة به، من النقل والتسويق إلى التصنيع والتخزين، في سياق يتسم بهشاشة بيئية واقتصادية تفاقمت بفعل النزاع الممتد.
ورغم اختلاف التقديرات حول مساهمة قطاع المصايد في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والبنك الدولي تؤكد أن هذا القطاع ظلّ أحد أهم مصادر الدخل وفرص العمل في المناطق الساحلية، حيث يعتمد عليه مئات الآلاف من اليمنيين في تأمين سبل عيشهم، لا سيما في ظل محدودية البدائل الاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذا الدور الحيوي يتعرض لتحديات وضغوط متزايدة، ليس فقط بسبب التغير المناخي، بل نتيجة حزمة مركّبة من التحديات البنيوية والمؤسسية التي تؤثر بشكل مباشر على قدرة المجتمعات الساحلية على الصمود.
تشير التقارير والدراسات الميدانية إلى أن هشاشة سلسلة التبريد تمثل أحد أكثر هذه التحديات تأثيراً، حيث يؤدي ضعف خدمات الكهرباء، ومحدودية توفر الثلج، وغياب مرافق التخزين البارد في العديد من مواقع الإنزال، إلى ارتفاع معدلات التلف بعد الحصاد. في مثل هذا السياق، يُجبر الصياد في كثير من الأحيان على بيع الأسماك فور عودته من البحر وبأسعار منخفضة لتفادي خسارتها بالكامل، وهو ما ينعكس سلباً على دخله، وعلى جودة المنتج في الأسواق، ويُفاقم هشاشة الأمن الغذائي، وهي إشكالية وثّقتها تقارير الفاو ودراسات سلاسل القيمة في اليمن.
ويتقاطع ذلك مع ضعف تنظيم مواقع الإنزال وساحات الحراج في عدد من المناطق الساحلية، حيث يؤدي تمركز أعداد كبيرة من القوارب في مواقع محدودة تفتقر للتخطيط والخدمات الأساسية إلى ازدحام وسوء مناولة وتفاوت كبير في الأسعار، ما يقلل من كفاءة سلسلة القيمة حتى في المواسم الجيدة. وقد أشارت دراسات سلاسل القيمة وتقارير التنمية إلى أن تحسين تنظيم مواقع الإنزال والحراج يمثل مدخلاً أساسياً لخفض الفاقد وتحسين دخل الصيادين.
ويبرز ضعف الربط المنظّم بالأسواق كأحد التحديات المؤثرة في سلاسل الإمداد السمكية، حيث يواجه كلٌّ من الصيادين والنساء العاملات في الأنشطة الساحلية صعوبات في الوصول المباشر إلى الأسواق النهائية. ويؤدي الاعتماد على قنوات تسويق محدودة وغير منظّمة، غالباً عبر وسطاء، إلى ضعف القدرة التفاوضية، وتفاوت كبير في الأسعار، وعدم حصول المنتجين والمنتِجات على عائد عادل يعكس الجهد وجودة المنتج، حتى في الحالات التي تتحسن فيها الجودة أو الإنتاج.
ولا تقلّ خطورة التحديات البيئية عن غيرها، إذ تشير تقارير ودراسات متعددة إلى أن الصيد الجائر يشكّل ضغطاً متزايداً على المخزون السمكي في اليمن. ويتجلى ذلك في ممارسات مثل استخدام شباك ذات فتحات صغيرة تؤدي إلى صيد الأسماك قبل بلوغها الحجم المناسب، أو الصيد خلال مواسم التكاثر، أو الاقتراب من مناطق حساسة بيئياً. ومع تراجع قدرات الرقابة والتنظيم في ظل النزاع، ازداد الضغط على الموارد البحرية، ما يهدد استدامة القطاع على المدى المتوسط والطويل، كما حذّرت من ذلك تقارير البنك الدولي والفاو.
كما تبرز فجوة واضحة تتعلق بالاعتماد شبه الكامل على الصيد التقليدي وضعف استخدام التقنيات الحديثة، سواء على مستوى أدوات الصيد، أو السلامة، أو حفظ الأسماك على متن القوارب. وتشير دراسات سلاسل القيمة إلى أن محدودية الوصول إلى التمويل والتدريب، إلى جانب غياب الحوافز، أسهمت في إبطاء تبنّي تقنيات يمكن أن تحسّن الإنتاجية والجودة وتقلل المخاطر، وهو ما يضعف قدرة الصيادين على تحسين أوضاعهم الاقتصادية.
ومن الجانب المؤسسي، تؤكد التقارير أن ضعف دور الهيئات الحكومية المعنية بالمصايد يمثل تحدياً هيكلياً إضافياً. فعلى الرغم من وجود هذه الهيئات رسمياً، إلا أن دورها في الإرشاد الفني، والدعم، وضمان الالتزام بالممارسات المستدامة، وجمع البيانات، يظل محدوداً. ويؤدي نقص البيانات الدقيقة حول الإنتاج والمخزون السمكي واحتياجات المجتمعات الساحلية إلى صعوبة تصميم مشاريع تنموية مبنية على أدلة واحتياج حقيقي، ما يحدّ من فاعلية التدخلات.
وفي السياق ذاته، أظهرت مراجعات وتقييمات لبرامج إنسانية وتنموية أن بعض التدخلات اتسمت بتكرار نوعية الدعم المقدَّم دون الاعتماد الكافي على تقييمات معمّقة للاحتياجات الأساسية للمجتمعات الساحلية. وفي بعض الحالات، لم يسهم هذا الدعم بشكل مباشر في تعزيز سبل العيش الساحلية أو تطوير سلسلة القيمة، ما قلّل من أثره طويل الأمد وأسهم أحياناً في تعزيز الاعتماد على الدعم بدلاً من التمكين.
ومن زاوية اجتماعية أعمق، أفرز النزاع الممتد تحدياً أقل ظهوراً في التقارير الكمية لكنه حاضر بقوة في الواقع الميداني، يتمثل في تكوّن “عقلية الاعتماد على المساعدات” لدى بعض الفئات، نتيجة سنوات طويلة من الاستجابة الإنسانية الطارئة. ولا يعكس هذا الواقع ضعفاً في المجتمع بقدر ما يعكس سياقاً قاسياً فرض أنماط بقاء قصيرة الأجل، ما يجعل تعزيز الصمود مرهوناً بالانتقال التدريجي من الإغاثة إلى التعافي المبكر، عبر برامج تربط الدعم ببناء المهارات وتحسين الوصول إلى السوق.
ورغم هذه التحديات المتداخلة، تُظهر التقارير والتجارب الميدانية أن المجتمعات الساحلية في اليمن طوّرت ممارسات أسهمت في تعزيز قدرتها على الصمود. ويأتي في مقدمة ذلك العمل التعاوني عبر الجمعيات والتعاونيات السمكية والساحلية، حيث مكّن التنظيم المحلي الصيادين في بعض المناطق من تحسين قدرتهم التفاوضية، وتنظيم عمليات التسويق، والحد من استغلال الوسطاء، إضافة إلى تمثيل مصالحهم أمام الجهات المعنية. وفي بعض التجارب، أسهمت هذه الجمعيات في إنشاء صناديق ادخار وإقراض مجتمعية وفّرت للأعضاء سيولة بسيطة لتغطية تكاليف أساسية مثل الوقود، والثلج، وصيانة القوارب، دون اللجوء إلى ديون عالية الفائدة، وهي آلية أوصت بها تقارير تنموية لدورها في تعزيز الاستقرار المالي للأسر الساحلية. فعلى الرغم من أن العديد من التعاونيات لا تزال تعاني من ضعف في الهيكلة والدعم المؤسسي - كما هو الحال في بعض المناطق الساحلية - إلا أن تجارب أخرى، لا سيما في المكلا تُظهر أن وجود نظام تعاوني أكثر تنظيماً مكّن التعاونيات من تقديم دعم فعلي لأعضائها.
ومن خلال العمل المباشر مع المجتمعات الساحلية، يتضح الدور المحوري الذي تلعبه النساء في أنشطة ما بعد الحصاد، مثل تنظيف الأسماك وتجفيفها أو تمليحها وتخزينها وتسويقها محلياً. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرامج التنمية إلى أن دعم هذه الأنشطة يسهم بشكل مباشر في تقليل الفاقد، وتحسين جودة الغذاء، وتعزيز دخل الأسرة. وإلى جانب ذلك، تُمثّل هذه الأنشطة وسيلة مهمة لتنويع مصادر الدخل داخل الأسرة الساحلية، بما يخفّف من الاعتماد على الصيد كمصدر وحيد للدخل، خصوصاً خلال فترات توقف الصيد أو ضعف المواسم، ما يجعل تمكين النساء ركيزة أساسية من ركائز الصمود الساحلي.
ورغم هذه التحديات المتداخلة، تُظهر المجتمعات الساحلية في اليمن قدرة لافتة على ابتكار ممارسات محلية للصمود، مثل تقاسم المخاطر داخل الأسر، والعمل الجماعي في مواسم الشح، وتنويع الأنشطة البسيطة المرتبطة بالبحر. وهي ممارسات غير رسمية، لكنها تشكّل شبكة أمان اجتماعية حقيقية، يمكن البناء عليها وربطها بتدخلات مدروسة طويلة الأمد للوصول إلى نموذج صمود أكثر استدامة وعدلاً.
في المحصلة، فإن صمود المجتمعات الساحلية في اليمن ليس مسألة تقنية أو بيئية فحسب، بل قضية تنموية شاملة تتقاطع فيها سبل العيش، والحوكمة، والبيئة، والسياق الاجتماعي للنزاع. ويظل الاستثمار في هذا الصمود - عبر دعم التعاونيات، وتمكين النساء، وتطوير سلسلة التبريد، وتعزيز الوعي والتنظيم- استثماراً مباشراً في الأمن الغذائي، والاستقرار المحلي، ومستقبل الاقتصاد الساحلي في اليمن.
كن أول من يعلق!